الشيخ علي الكوراني العاملي

240

الجديد في الحسين (ع)

كنت في الابتدائية وكان له بيدر قرب مدرستنا ، يدرس القمح فيجلس على النورج ويدور به الفدان ، وهو يقرأ ولا يلتفت إلى الرائح والجائي . كنت ألعب في الفرصة مع الأولاد ، فاقتربت منه لأسمع ما يقرأ ، فسألني عن اسمي ، ولما عرف اسم والدي وكان يحبه كثيراً قال تعال يا علي ، وأركبني معه على النَّوْرج يدور بنا الفدَّان دقائق ، حتى انتهت الفرصة . أراد تكريمي لأجل أبي فأجلسني معه وواصل عمله في عالم الحسين عليه السلام ! وذات يوم كنت ذاهباً مع والدي إلى كرم الخلة لنقطف العنب ، ومررنا على كرم الحاج علي عبد الحسين فرأينا بابه مفتوحاً وسمعنا الحاج يترنم ، فدخلنا فرأيناه يعبئ العنب في صناديق ليرسله إلى السوق ، ويترنم بذكر الحسين عليه السلام وابتهج بوالدي وضيفنا من أفخر ما في كرمه من العنب . أما إذا وقف في المسجد ليقرأ التعزية ، فإن وقفته توحي لك بالجلال والحزن . ورثاؤه للحسين عليه السلام يأخذ بمجامع قلبك ، وهو لا يرفع صوته بقراءته ، لكن القلوب والآذان تصغى اليه ، ودموع المؤمنين تفيض . ولا يقبل أجرة . نعم ، للشيعة في لبنان مجالس وحسينيات ، وإحياء لعاشوراء الحسين عليه السلام ، لكن لا يقاس بالنبطية مكان ، لا في عراقتها في عاشوراء ، ولا في نبض أهل مدينتها وقراها بالحسين عليه السلام ، وحرارة قتله في قلوبهم . خذ نموذجاً من النبطية وقراها ، رجلاً أو امرأة أو طفلاً ، ومثلهم من بعلبك أو أعالي الجنوب ، أو أداني الساحل ، لترى أن نبض الحسين في النبطية أقوى وأن النبطاني حسيني بتربيته وثقافته ، يعيش حرارة قتل الحسين عليه السلام أكثر من غيره . فكيف لا يكون مشمولاً بالقاعدة التي أكدها النبي صلى الله عليه وآله أكثر من مرة . ومنه تعرف سبب قول بعض خيار الشيعة : سأحضر عاشوراء في النبطية .